اسماعيل بن محمد القونوي

49

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( سماها شهوات ) أي أطلق المصدر « 1 » وهو الشهوات وهي ميل النفس وتوقانها إلى الشيء بطريق المجاز العقلي لا بطريق المجاز اللغوي ( مبالغة ) إذ المبالغة في المجاز العقلي أي إيقاع الحب على الشهوات مجاز فإن ما هو له المشتهيات فهو أبلغ من جعل الشهوات بمعنى المشتهيات مجازا فقوله أي المشتهيات معناه لو جيء الكلام على ظاهره بدون قصد المبالغة لجيء كذلك لا أنه مراد فالنظم كقولها وإنما هي إقبال « 1 » وإدبار قوله حتى أحبوا شهوتها إشارة إلى ما ذكرنا كما قيل لمريض ما تشتهي فقال ( أشتهي إن أشتهي وإيماء إلى أنهم انهمكوا في محبتها حتى أحبوا شهوتها كقوله تعالى : أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ [ ص : 32 ] عداه بعلى لتضمينه معنى التنبيه . قوله : ( والمزين هو اللّه تعالى ) الأولى التزيين من اللّه تعالى إذ إطلاق المزين موقوف على السماع نقل عن السيوطي أنه قال هذا أخرجه ابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه ثم التزيين قد يراد به خلق حبها في القلوب وهو مختص به تعالى حقيقة وإطلاقه على غيره تعالى مجاز وهو الذي أراد المص بقرينة قوله ( لأنه الخالق ) وقد يراد به الحض على تعاطي الشهوات وهو بهذا المعنى لا يضاف إلى اللّه تعالى إذ هو لا يحض إلا على المعروف والمشروع شهوة أو غيرها كذا نقله البعض عن صاحب الانتصاف وفيه خفاء لأن التزيين بهذا المعنى إن كان موجودا في الخارج لكون الوصف بالمصدر نحو رجل عدل وقوله وإيماء عطف على الالتفات أن كون كل من الصيغتين في جملة حتى يكون أحدهما في جملة والآخر في جملة أخرى والصيغتان في ترونهم مثليهم ليستا في جملة واحدة فلا يكون التفاتا وإلا لزم أن يكون في أنا زيد وأنت عمرو التفات لأن زيدا وعمرا اسم مظهر والأسماء المظهرة في حكم الغيبة والقول الآخر أن يكون راجعا إلى المؤمنين وهو المراد بقوله أو يرى المؤمنون المشركين مثلي المشركين قوله أو الحال فيكون حالا موطئة فإن الحال في الحقيقة مؤمنة وكافرة كما في قوله : قُرْآناً عَرَبِيًّا [ يوسف : 2 ] فإن قرأنا حال موطئة والحال في الحقيقة عربية . قوله : ويؤيده قراءة نافع ويعقوب بالياء هذه القراءة إنما يؤيده إذا كان الخطاب بقوله عز وجل : قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ [ آل عمران : 13 ] للمؤمنين . قوله : والمزين هو اللّه تعالى قال الإمام اختلفوا في أن قوله تعالى : زُيِّنَ لِلنَّاسِ [ آل عمران : 14 ] من الذي زين أما أصحابنا فقولهم فيه ظاهر لأن عندهم خالق جميع الأفعال هو اللّه تعالى أيضا أن قالوا كأن المزين هو الشيطان فمن الذي زين الكفر والبدعة للشيطان فإن كان لذلك الشيطان شيطان لزم التسلسل وإن وقع ذلك من نفس الشيطان فليكن في الإنسان كذلك وإن كان من اللّه تعالى وهو الحق فليكن في حق الإنسان كذلك وفي القرآن إشارة إلى هذه النكتة في سورة القصص في قوله تعالى : رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا [ القصص : 63 ] أغويناهم كما غوينا يعني إن اعتقد أحد أنا أغويناهم فمن الذي اغوانا وهذا الكلام ظاهر جدا .

--> ( 1 ) نقل في المطول عن الشيخ عبد القاهر أنه قال لم ترد بالإقبال والإدبار غير معناهما حتى يكون المجاز في الكلمة وشدد على أنه على حذف المضاف بأنه فساد الشعر إلى آخر ما ذكره .